الاثنين، 17 يونيو 2013

حتى يشهد الصبر




قرأت ذات يوم أن الأسوأ من أن تتحقق الأشياء التي تمنيناها..أن تتحقق وقد تأخر الوقت..وتغيرت الأحوال والأنفس..
وها هو شيء أردته طويلا جدا ثم حين يأست منه وغيرت مساري إذا  به يلوح لي ,ولكنني لم أعد أعرف..أما زلت أنا نفس التي تشبثت به كثيرا ؟

بعض الآلام تستحل قلوبنا مسكنا لها حتى نألفها وتألفنا..ويغدو تغيرها أمرا غريبا غير مأمون العواقب .
الحياة تستمر..والاقوياء يقال عنهم دائما أنهم يتحملون كثيرا وطويلا ولكن ماذا لو كانت قدرة تحملهم تفتك بهم ؟


 لم يبق لي سوى بقايا قوة أضمها إلى شتات أحلامي وأمضي ..ثمة جراح لن تتوقف عن النزف..ثمة خسائر لن تعوض..ثمة أوراق لم تعد رابحة ..ثمة أماكن لم تعد تمثل نفس الوطن..


 وثمة أمنيات ألقت بحملها على الرصيف وتدثرت بأضواء الليل الباهتة ..ولم أعد أراها كثيرا..

الاختيارات المرهقة تحيرني كل حين وآخر  وتضعني في مفترقات طرق..ماعاد في احتمالي المزيد منها..في مرحلة ما يتوق المرء للشعور بالاستقرار..يتمنى أن يقرر طريقه وأن يعرف إلى أين يذهب وماذا سيفعل..


يقولون أنني قوية ..ويقول لي أبي , اصبري قليلا بعد..ولكني منذ وقت طويل صابرة يا أبي ولم أر للفجر بشائر ..فهل الخطأ فينا أم في وطن يعجزنا ويسلب منا الحياة قبل أن يسلبها القبر ؟ 

ولكنني سأصبر يا أبي على بلادي أكثر, ساصبر حتى يشهد الصبر أنني صبرت ..

.......
17 يونيو 2013

الخميس، 16 مايو 2013

قصاصات..63



لدي بعض الإعترافات الغريبة ..عني ..


اكتشفت أن هناك طقس معين يجعل مزاجي رائعا دون سبب , وطقس أخر يجعله ثائرا دون سبب أيضا , وهو أمر محرج , أن تكون بالمعنى الحرفي (مش طايق نفسك) لأن الطقس حار وخانق الرطوبة وهو ما كان يحدث في صيف الاسكنرية..أو أن تكون سعيدا منتشيا لأن للهواء رائحة الربيع !



اكتشفت مؤخرا  أن أكثر لون محبب لي في الزهور هو الأبيض , معظم الزهور التي أحبها بيضاء أو معظمها أبيض..كما أن معظمها أيضا زهور ليست منزلية..الزهور المنزلية تشعرني بالملل..ما يعني أنني لن أعتني بزهور منزلية أبدا!


أكره الرموش الصناعية , تصيبني بالغثيان عندما أراها في ممثلة أو في عروس..نعم المتطور منها  يكاد يبدو حقيقيا لكنها تظل واضحة  لي بأنها صناعية ..ما مشكلة الناس مع الرموش العادية على كل حال ؟

مازلت أحب المرجيحة , وهو هوى  قديم لم أتخلص منه وأشعر بالحنين لها بين الحين والآخر..


اتضح أيضا أنني أكره أن تأتيني الاشياء التي أحبها جاهزة , كثيرا ما صنعت أشياء مهمة بنفسي , مغامرة بوقت وجهد ومال لفترة طويلة فقط لأشعر أنها جائت كما أريد..وأنها جاءت من صنع يدي..وهي مشكلة حقيقية تثير جنون كل من حولي وتثير جنوني شخصيا , ولكني لازلت لم أتخلص منها بعد..



ماهو لوني المفضل ؟ ..بعد عقدين من الزمن وأكثر ..اتضح أنني لا يوجد لدي لون مفضل على إطلاقه..علاقتي بالألوان علاقة عميقة ومعقدة بدأت منذ هوايتي للرسم من الطفولة..وعلى ما يبدو أني اقرب ما أكون لمزاج بيكاسو..الذي كان يمر بمراحل معينة يكون مهووسا فيها بلون ما فيطغى على كل لوحاته ثم بعد فترة زمنية يصبح مهووسا بآخر وهكذا..ولكن الشيء الوحيد الثابت أن هناك لون او اثنين لا أفضلهم..

لن اقول لكم  أي لون مهووسة به هذه الأيام :) 


لي ذاكرة ضعيفة..ذاكرة سمكية كما يقول عنها حبيبي, والذي لا أعرف كيف يتحملها..هو وكل أهلي وربما أصدقائي أيضا , أنسى أي شيء وكل شيء..أضيع أحيانا بين ما فعلته  وما قررت فعله (فتحول في ذاكرتي إلى حدث بالفعل ) ..انسى أماكن الأشياء وأنسى أين كتبت ما يذكرني بمكانها , يغضب الأصدقاء مني حين لا أجيب على رسائلهم على الهاتف أو على النت أو حين لا تسعفني الظروف للرد على اتصال ما ثم لا أعاود الإتصال به لاحقا..السبب يعود لما لهذه الذاكرة السمكية اللعينة..فادعو لي الشفاء منها ..

الأحد، 12 مايو 2013

خصومتنا فاجرة



مضى وقت وقت طويل لم أكتب مقالات ولم أقرأها كذلك, لا أعرف حقا لماذا..ربما لأنها لا داعي لها , وربما لأن العالم أصبح يغص بالمقالات حتى أنها أصبحت بلا طعم يستساغ ولا فائدة..
ولكنني وجدت نفسي أمام مقال د.نبيل فاروق الذي يحمل عنوان (إذا خاصم فجر)..ولسبب ما جذبني العنوان فقرأته..ثم قررت أن أرد رغم علمي أن الرد لن يصله..ورغم أن المقال قديم..ولكني لا أملك إلا أن أرد.

نعم يا سيدي..جيلنا لديه مشكلة حقيقة , بل مجموعة من المشاكل..والعقد النفسية ..والألم الذي رضعناه دون أن تنتبهو..لكن عندما يخطيء الطفل يا سيدي لا يكون مربط الفرس الطفل بل والديه , لأنه صنيعهم..
ونحن يا سيدي..صنيعكم..

لسنا نتاج العصر الذي ينمو تكنولوجيا بسرعة مخيفة كما تقول , نعم هم عامل مؤثر ولكننا لسنا الدولة الوحيدة التي خضعت له , فلماذا جئنا نحن على هذه الحال المؤسفة ؟ سأجيبك لماذا..

لأن هذا هو الانتاج الذي سعيتم جميعا له ..دولة ومؤسسات وآباء ومجتمع..انتم تعرضتم للحرب ولكنكم كنتم تعرفون أن الاضطهاد من الأحتلال هو امر طبيعي..طالما أن هناك وطن..انتم كنتم تتعلمون في مدارس مازال بقايا الاحتلال يجعلها ممنهجة بشكل منطقي إلى حد ما , دخلتم الجامعات وكنتم تتقاضون راتبا فور دخولكم ..وتعملون فور تخرجكم..كنتم تتحدثون وكنتم تملكون صوتا ورأيا..تزوجتم وأنجبتم وأنتم في أوائل العشرينات ووجدتم سكنا وربما منكم من استطاع أن يساعد عائلته بما يتبقى..نعم ازادادت الأمور سوءا مع الوقت ولكنكم على الاقل عشتم فترة من الحياة تعرفون فيها معنى أن يصبح الإنسان شيئا ذو قيمة..فأين نحن من كل هذا ؟

أين نحن من الكرامة ..من الإحترام..من الفرص..من أبسط حقوق الحياة ؟ لقد تم تجريدنا من كل شيء..تجريدنا من كرامتنا منذ لحظة إدراكنا أن كل شيء حولنا مستباح , تجريدنا من حق العلم منذ لحظة دخولنا لمدارس التعليم المجاني حيث لا تعليم حقيقي ولا تربية فاضلة ولا احترام لآدميتنا ..انتم علمتمونا في مدارسكم أن نسمع ونسمع ونسمع ولا نعترض , كانت المناهج تعج بالأخطاء الفادحة والمدارس في أسوأ حالاتها صحيا وبيئيا والنظام العقيم يدمر عقولنا واشتكينا حتى بح صوتنا فلم نجد ردا سوى الضرب والاهانة والقمع أكثر وأكثر..

ثم تم قتل أولى أحلامنا عند مفترق طرق التعليم من المدرسة للجامعة ..ليبدأ بعدها مسلسل آخر من القمع والإذلال وسوء التعليم وسوء المسار الذي مسير فيه مرغمين..لا نملك ألا ندخل الجامعات وندخل فتتحطم كل آمالنا وأحلامنا ويضيع شبابنا في محاولات بائسة ثم نتخرج لنتكدس صفوفا وصفوفا بلا عمل بعد أن يكون كل ما لدينا قد صرف على هذا الذي يفترض به تعليم..

تجردنا من حق العيش في مكان نظيف , وطعام نظيف , وحياة آمنة وعلاج في أماكن آدمية ..عشنا نغرق في الفوضى في كل شيء وتغرقنا..جيلنا يتخطى الثلاثين من الجنسين دون أن يكون قد وجد مساره المهنى ولا حقق عائدا ماديا ولا استطاع أن يجد مسكنا ولا زواجا ولا انجابا..أنا كطبيبة في السادسة والعشرين ومازالت دفعتي ومن هم أكبر لا نعرف كيف ومن أي باب ندخل طريق التخصص ..من بدأ طريق الماجستير ضاع فيه فلم يعد يعرف كيف ينهيه ولا يعرف كيف يعود إلى حيث بدأ بعدما ضاع من العمر ما ضاع..ومن لم يبدأ يرى العراقيل أمامه تحثه ألا يفعل ...ومازلنا جميعا لا يحظى أحدنا حتى الآن بمستوى وظيفي أو معيشي يليق بكونه طبيب ..أو هذا ما يفترض..اصدقائي وأقاربي تفرقو..البعض قرر الرحيل بلا عودة خارج البلاد والبعض رحل دونما خطة ..والبعض الآخر يتخبط هنا وهناك.

الكل ضائع , من تعلم ومن لم يتعلم..من حلم بالمستقبل ومن لم يحلم ..العشوائيات تملأ القاهرة , أطفال الشوارع يتكاثرون دون حل ..الشباب يضيع مع البطالة واليأس حين يجد نفسه بلا هدف ولا دليل..والكبار ينظرون ويتعجبون ثم يصمتون..

لم ينفعنا أن نجتهد..ولم ينفعنا أن نلقي بكل شيء ونعيش الدنيا كأن غدا لن يأتي..الظلم الذي جار علينا جميعا منذ كنا صغارا نال من كل ما فينا , وعشش في عيوننا القهر..والشعور بأن وطننا يضيق بنا , لا نستطيع العيش فيه ولا نعرف حتى سبيلا للخروج منه..

..كل ما تتحدث عنه يا سيدي من قيم لم تهتز في عيوننا بل هي لم توجد أمامنا من الاساس..كل قيمة سمعنا عنها ونحن صغاركان جيلكم والجيل الأقدم يفعل عكسها , تحدث الجميع عن الشجاعة وكنا نرى الجبن وسياسة جنب الحيط..سمعنا حديثا عن الوطن ولكنه كان يكفر بنا وبوجودنا كل يوم..قيل ما قيل عن الأمانة وعدم التحيز والوسائط التي كنتم تمنحونها بعدما صرتم كبارا تنهش كل فرصنا ..الشهامة لم نعرفها حين لم يدافع أحد عن حقنا في هذا الوطن..

معذرة حقا لأني قاسية ولكن هذه هي الحقيقة..هذا هو العالم الذي عشنا فيه..هذا هو ما هيئتموه لنا وما سمحتم بأن نعيش فيه وهذه هي النماذج التي قدمتموها , وحتى حين ثرنا قيل عنا ما قيل..هل تعرف لماذا كان جيلنا هو من فجر الثورة ؟ لأنه لم يعد يملك شيئا يخشى فقده..مات الشباب دونما انزعاج لأن حياتهم لم تعد تحمل لهم أي معنى..فقدو عيونهم دون بكاء لأنهم لم يرو بها ما يستحق الندم على فقده ..فمن يرى القمامه حوله في كل مكان لن يزعجه ألا يراها بعد اليوم ,

وحتى بعد كل ما حدث..وبعد أن فقد الشباب اصدقائهم أمام عيونهم لم يحدث شيء..ولم يقتص أحد..وما كان هو ما يكون والتاريخ يعيد نفسه والظلم ما زال مستمر فكيف بالله عليكم تعجبون من خصومتنا الفاجرة ؟ ..

التكنولوجيا تسببت في الأذى لنا جميعا هذا حقيقي , ولكنها جعلتنا نرى كل ما كنا عميانا عنه..جعلتنا نرى أننا مازلنا نستحق الحياة الكريمة التي لم تهتمو بأن توفروها لنا , جعلتنا نحلم بأن يكون لنا وطن..وطن حقيقى..مثل أوظان الآخرين..

لا أدافع عن أحد , لا أقول أن ما يحدث هو جيد..ولكن فقط اقول لا تلمونا الآن وأنتم لم تتركو لنا خيارا آخر..نحن مجروحون في الصميم جرحا لن تستوعبوه أبدا..جرح اليتيم ..الذي لا وطن له.

فإن صارت خصومتنا فاجرة..فهذا لأن وطننا بمن فيه كان فاجرا معنا من قبل أن نخاصمه..
........

د.شيماء عبادي
12 مايو 2013

المقال حيث قرأته :

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=358559247577762&set=a.312083842225303.54150.311756365591384&type=1&theater

الأربعاء، 24 أبريل 2013

قصاصات ..تهييس


كل فترة كبيرة بنزل قصاصات زي دي  تحت عنوان تهييس بكون كاتباها بالعامية..مع أني بحب الفصحى أكتر, ليه ؟
..مش لازم على فكرة كل حاجة يكون ليها تفسير منطقي..هو كدة وخلاص..

..............
امبارح ركبت عربية سوزوكي, كان السواق محترم قوي..محترم زيادة عن اللزوم بالنسبة لاي سواق شفته في حياتي..بنته تقريبا كانت راكبة وهي طفلة صغيرة جاية من المدرسة , ركبت انا وقالي اهلا وسهلا....وبعدين وقفتنا واحدة كبيرة شوية ..مكنتش هتقدر تطلع عشان العربية عالية فتحلها الباب اللي قدام وقالها اتفضلي اهلا وسهلا..ووقالها امسكي في الايد اللي عند الازاز وعلى مهلك..كنت حاسة اني بحترمه جدا..

فكرني قد ايه فيه ناس بسيطة بس ممكن تبقى كبيرة قوي في نظر نفسها ونظر الناس...
.................
امبارح برضه في العيادة جاتلنا واحدة عجوزة بابنها , قعدت تدعيلي كتير , وجنبي ممرضة قالتلها طيب وأنا يا حاجة مليش نصيب ؟ فدعيتلها وقالتلنا انتو متجوزين ؟ فالممرضة قالتلها لسة..فقعدت تدعيلنا كتير..حسيت الممرضة فرحانة قوي بالدعوة..

ساعات دعوة الغلبان ممكن تفرق كتير ..

.............
وأنا وخطيبي بندور في إعلانات النت عن شقة ..لقينا شقة ب 37 مليون جنيه في الزمالك ..كبيرة بس في النهاية مجرد شقة..صحيح قعدنا نضحك..بس برضه مكنتش مستوعبة أننا في مصر وعندنا ثلث الشعب تحت خط الفقر..وثلثه بيتأرجح على الخط ده..صعب تقتنع أن فيه ناس عايشة الحياة دي وبتنام بليل عادي !
فكرت في سؤال غريب وقلته لخطيبي..

هو لو حتى معانا كل المبلغ المهول ده..أقف قدام ربنا يسألني عملتي ايه ب 37 مليون جنيه أقول جبت بيهم شقة ؟

!!!!!!!!!!!!!!!!!

...............
لما بشوف أطفال شوارع بيلعبو ..ولما أعدي بالأتوبيس قريب من مناطق العشوائيات وألاقي مساحة فاضية معتبرينها ملعب كورة..أو حتى في الخانكة و الأماكن البسيطة اللي ممكن الناس تتريق عليها وتقول ياي ..ازاي حد يقعد هنا..
كل اللي  بفكر فيه أن الإنسان بيبقى غبي قوي ساعات..لما يفضل يفتكر أن المستوى المادي العالي هيرحه , الفلوس حاجة زي الأكل..لو جعان هتاكل اللي  قدامك وخلاص..لو مش جعان والأكل كتير هتفضل تفكر وتحتار تاكل ايه وتسيب ايه ونص وقتك هيضيع في الحيرة والنص الثاني في الندم انك أكلت جزء ومقدرتش تستمتع بالباقي..
بلاش حد يبص للناس دي بشفقة قوي..ساعات بيبقو أحسن مننا كلنا لأن همومهم على قدهم واحتياجاتهم برضه على قدهم..وبالتالي أبسط حاجة بتسعدهم..ممكن سعادة صعب قوي حد من الميسور يوصلها لأن سعادته مرتبطة بكلاكيع كتير ..ملهاش أي لازمة..

................

وحشتني المرجيحة بتاعة عم حلاوة..الله يرحمه , لقيت زيها من مدة قدامي بس منفعش اركبها..

.............

لما ببقى راكبة مواصلات , أكتر حاجة بتفرحني أني أشوف زرع في الطريق , شجرة ملونة ..وبالذات البنفسجي المنتشرة في الشهر ده..أو الحمراء اللي هتبان الشهر الجاي ..والورد بتاع الربيع..

لو معودتش روحك أنها تشوف الجمال قدامها وتركز معاه..هتبقى خسرت كتير..

.................

الثلاثاء، 2 أبريل 2013

عصفور تحت المطر..الفصل الثالث


الفصل الثالث

*****
حسنا..أكل شيء على ما يرام يا بطل؟
لم يسمع ردا ..استدار فوجد صديقه يحدق عبر النافذة غارقا في عالم آخر ..
-أحمد..أحمد؟ نحن هنا..!!!!!

انتفض ونظر إليه في دهشة.

-أسف..لم انتبه..شرد ذهني لحظة

- هذا يبدو واضحا..لكنها لم تكن لحظة ..على كل حال.. كنت أسأل إن كان كل شيء على ما يرام؟ هل يناسبك هذا المسكن أكثر من سابقه؟

- نعم ..إنه مناسب تماما..لا أعرف كيف أشكرك ..لقد أجهدتك كثيرا الأشهر الماضية ..

- لم تجهدني على الاطلاق بل كنت تحرق نفسك إجهادا..لم أر منذ وقت طويل شخصا يدفن نفسه في العمل مثلك..أنا لا أفهمك حقا..ولكن هون على نفسك يا صديقي فالحياة نعيشها مرة واحدة فقط..

ابتسم احمد دون إن يجيب..

-حسن..سأذهب الآن لأن الوقت قد تأخر ,وزوجتي في انتظاري..
فتح الباب وهو يكمل:- عليك أنت أيضا أن تفكر في الزواج يا صديقي..صار لديك وظيفة مستقرة ومسكن جيد..صدقني إن الوحدة مزعجة إلى أقصى حد..سوف تدرك هذا فيما بعد..

وأغلق الباب..فجلس أحمد على أقرب مقعد إليه وهو يحدث نفسه..

(من السهل عليك ان تقول تزوج كما هو من السهل على أي إنسان ان يقول لي ذلك..لكن أين أذهب بمن سكنت قلبي ولم ترحل منه مطلقا؟)

أخذ نفسا عميقا..مضى وقت ..الكثير من الوقت..ثلاثة أشهر منذ سفره..وأشهر قبل ذلك لم يرها فيها مطلقا..ما أسرع ما تجري الأيام..مازال يذكر آخر لقاء بينهما كأنه الأمس..رغم انه قرر بحزم أن ينسى ولو تكلف ذلك سنوات..
ليس من العدل ان يعيش العمر على ذكرى فتاة أحبها بكل كيانه..ولم تبادله أبداً حباً بحب..

شعر بحزن كبير يغلفه وهو يقول في داخله بكل أسف الدنيا - ) آمل فقط يا منى أن تكوني أفضل حالا الآن..آمل أن تجدي من ينجح فيما فشلت فيه انا..إسعادك (

* * * * * * * * * * * * * * *

أي انسان كان ليسير على ذلك الشاطيء الرملي في تلك الساعة المبكرة كان بإمكانه بكل سهولة
أن يلمح ذلك الحزن المرسوم على وجه تلك الشابة اللي تجلس تتأمل البحر في صمت حزين..حزين

ما أغرب ما تفعل الحياة بالإنسان وأمنياته..فحيناً تكون أمنياته كالحفر في الصخور..وحينا كالرسم على الرمال
تأتي موجة فتمسحها ولا يتبقى منها إلا ذكريات باهتة في عقل من رسمها أو من رآها خلال عمرها القصير..


اقتربت منها صديقتها في هدوء كأنها تخشى أن تقطع حبل أفكارها..جلست بجوارها..التفتت إليها دون أن تتخلى عن صمتها ثم أعادت بصرها إلى البحر ..تنهدت تنهيدة حارة تعبر بألم عما يجيش بصدرها....لكنها لم تتكلم..

ظلت صديقتها صامتة فترة...ثم قالت في تردد:..

- منى..لماذا لا تتصلين به؟يمكنك أن تحصلي على رقمه هناك أو وسيلة اتصال به من عائلته.. لقد كنتم أصدقاء ..
ليس هناك ما يمنع ذلك..أستطيع ان اقوم بهذا عنك لو ترغبين.

أجابتها في هدوء وهي ترسم خطوطا واشكالا على الرمال..

- وماذا أقول له حين أسمع صوته؟ عذرا..لقد كنت حمقاء منذ شهور وأضعتك والآن أريد استعادة ما فقدت؟
إنه ليس مفتاحا فقدته يا حنان وحين اكتشفت ذلك عدت أبحث عنه..لقد مرت أشهر لم أره خلالها ولم يحاول الاتصال بي بأي وسيلة ثم سافر ..ومضى وقت على ذلك أيضا..

إنه يكره السفر..لكنه سافر رغم ذلك..هل تعرفين لماذا؟ لقد ابتعد بسببي..لقد جرحت قلبه إلى حد جعله يترك البلاد كلها ويرحل كي ينساني..فبأي حق أتصل به الان وقد مضت أشهر عديدة ولعله نسيني ولعله أيضا وجد الحب الذي يستحقه..
لقد أفسدت حياته مرة..لن أفسدها مرة أخرى..هو اتخذ قراراه ونفذه..كان هذا اختياره مثلما كان اختياري ألا أقبل به حين تقدم إلى طالبا يدي..

مهما كان اختياره صائبا أو خاطئا..ليس لي الحق الان أن أفعل شيئا قد يتسبب في ضرر أكبر له..

- وماذا أن كان لم ينسك؟ماذا لو كان ينتظر ان تتجه مشاعرك نحوه ؟

- قالت في سخرية حزينة...ينتظر !! كلا يا عزيزتي..لو انه كان ينتظر لما ذهب ..

-لا نستطيع الجزم..ولا تيأسي سريعا..ربما يعود..

عادت منى إلى صمتها ..ثم نهضت وهي تقول في شرود..: - نعم .ربما..

تابعتها حنان ببصرها وهي تمضي.ثم نظرت إلى الأرض حيث كانت ترسم..فوجدت خطوطا متقاطعة..وقلب في المنتصف..
.. فنهضت هي الأخرى وقد ترقرقت دمعة في عينيها..

..وقبل ان تذهب..جائت موجة قوية ..فمسحت جزئا من الرسم..ليتبقى فقط..نصف قلب
....

الخميس، 28 مارس 2013

قصاصات ..لا داعي لها !

أحيانا يفور الإناء بما فيه مسببا الكثير من الفوضى حوله وبعض الأذى فهذا طبيعي..
أن يفور الإناء فيكون هو المتضرر الوحيد..هذا هو الغريب .
ولكنه يحدث..

........

كثيرا ما اشعر أن الأطباء النفسيين (الطبيعين) هم أكثر الناس سخافة على وجه الأرض..مع الإعتذار لكل زملائي من المهنة..لكن حقا وبصدق ..الطبيب النفسي يحاول تلمس ما لن يلمسه أبدا ويحاول تخيل ما لم ولن يراه..ويحاول تفهم شعور لا يعرف كيف وُجِدَ من الأساس..تلك التفاعلات النفسية والكيميائية التي تحدث لدى المرضى ونتوهم أننا نعرفها ونحاول تخيلها ولكنها تشبه محاولات فك شفرة فرعونية كاتبها يرقد في مقبرة أثرية..لو كان بإمكانه الضحك لاستلقى على قفاه من الضحك علينا..
لا يحاول أحد أن يسألني في نهاية هذه الجمل عما إذا كنت أنتمي لفئة الأطباء النفسيين الطبيعين أم لا..

.......

لو كان بإمكان الطاقة السلبية التي يفجرها الغضب أن تحرك مولدات الكهرباء لربما تكفل بعضنا بحل مشكلة انقطاع النور في الجمهورية..

........
أمام شباك تذاكر المترو وقد جاء دوري أخيرا داهمني سؤال فلسفي عميق..كيف أعيش مع نفسي حقا ؟

........

ما أسخفها الحياة حقا في بعض الأحيان ..تبدو ثقيلة مملة وتجعلني أعذر هؤلاء الذين يملون منها حد الانتحار , إن الشعور القاتل بالضيق  كفيل بأن يدفع الإنسان لسحق كل شيء في طريقه حتى نفسه ..

.........
انتظري أيتها السحابة الزرقاء أو اعبريني إذا شئت..لا اكترث.

.........


ثمة أوقات يكون الخط الفاصل بين مزاج رائق ومزاج سوداوي مجرد شعرة تشبه تلك التي تفصل الجنون عن العبقرية..

ولكنني لا أؤمن بأن لهذه الشعرة وجود .


......

يثير جنوني هؤلاء المنمقين أكثر مما يجب , والمرتبين أكثر مما تحتمل الحياة.. إنها الحياة بفوضويتها وعبثيتها فأي ترتيب يتعذبون للحفاظ عليه كل لحظة ؟
..........

هل سيحتمل المجتمع لو كل من تصيبه نوبة غضب مجنون قام بضرب أحدهم ثم اعتذر له مبديا أسفه ..وخبله؟
حسنا..ماذا عن الصراخ ؟

........
لم يكن هناك داع لكل هذه القصاصات المحبطة والكئيبة فلماذا كتبتها ؟
لا أعرف..ولكنها مدونتي على كل حال..أغمضو عيونكم لو كانت الكآبة تحرقها !
......



الاثنين، 25 مارس 2013

عصفور تحت المطر ..الفصل الثاني


الفصل الثاني

الماضي .. الحاضر .. المستقبل .. كلمات تحمل في طياتها الكثير من المعاني بينما أعظم معانيها تكمن في داخلنا .. (.. لست أدرى ما إذا كان لدى مستقبل ..أم إنني انتهيت عند الحاضر ..وربما الماضي ..) ظلت كلماتها تتردد عقله وفي أعماق قلبه .. وتثير شجنه بعد رفضها له بكل هدوء وكأن أمره لم يعنيها لحظة .. فجرت داخله عشرات الأسئلة التى لا معنى لها ..جلس في أقرب مكان ومازال المطر المنهمر يغرقه وهو لا يتحرك .. ولا يشعر به فقد استحوذت على كل تفكيره ..

إنها ستنتهي حيث تريد .. فالماضى لن يعنيها كثيرا إن قررت أن تمضي .. فلتمر إذا عليه مرور الكرام ولتتركه يرحل إلى حيث يريد .. لماذا تتشبث بشيء انتهى وأمل لن يعود ؟؟.. لماذا تقف عند ذلك الخط الذي يؤلمها بين ماضيها ومستقبلها وتنظر للحاضر بعين حائرة .؟؟. منذ عرفها أدرك ما يعتمل بداخلها .. نظرة واحدة فهم منها كل شيء .. يمكن للإنسان أن يعرف شخصا لسنوات ولا يفهمه لكنه فهمها في أسابيع وربما أيام .. ودون أن يدري وجد نفسه ينساق إليها رغم علمه بأنها أبعد مما يريد .. بعيدة جدا في عالمها الذي لا يعرف له طريقا .. ورغم علمه أنها والمستحيل سواء ..

ولكن .. هل هو ممن يؤمنون بالمستحيل ؟ قبل أن يعرفها كان شخص هاديء مستقر يعرف ماذا يفعل وماذا يريد .. وعرفها .. ولم يدر بعدها مالذى أصابه فكأن عاصفة هوجاء ألمت بحياته ..وجد نفسه .. يبحث عنها في كل مكان .. يتحجج بعشرات الحجج كي يراها ويبحث عن أى سبب كي يتحدث إليها .. كانت تشعره بأنه إنسان ذو قيمة وكانت تفهمه .. ربما هي أحد القلائل في هذا العالم الذين فهموه .. في البداية تصور أن هذا هو سبب رغبته في الاقتراب من عالمها .. أنها تفهمه ..تعلل بهذا لنفسه لكي يبرر لنفسه جنونه الذي أصابه فجأه .. لكنه اكتشف مع الوقت أن الأمر أعقد بكثير ..

كان معها يشعر بكل تناقضات العالم .. كان يشعر بالسعادة والأسى .. بالرضا والغضب .. بالسكينة والثورة .. كان يشعر أنه يجد نفسه معها ويفقدها في اللحظة ذاتها ..

لم يعد يهم كل هذا الآن فقد آثرت الابتعاد .. وهاهي تذهب بعيدا إلى حيث لا تدرى .. وهي لم تأبه لأمره فلماذا يهتم ؟

لام نفسه .. ياله من أحمق ,إنه لن يعرف كيف يتعامل معها بعد الآن بعد أن أدركت حقيقة شعوره .. كيف ينظر في عينيها ؟ لقد خسر فرصته الوحيدة .. مالذي كان يضيرها لو قبلت به في حياتها ؟

لابد وأن هناك حل ما .. حل ينجده من كل هذا الجنون المطبق ..

* * * * * * * * * * *

لم يدر أنها في تلك اللحظات  كانت تعاتب وتلوم نفسها وتسأل نفس السؤال .. دون أن تجد مثله أي إجابة .. لم يدر أنها كانت تسير في عاصفة ثلجية داخل نفسها .. قوتان تتصارعان داخل أعماقها في قسوة .. لم تكتشف إحداهما إلا حين صارحها بالحقيقة .. لحظتها فهمت مالذي كان يحدث لها .. قوتان تتجاذبانها بين الشد والجذب وهي حائرة ..لا تملك دفعا لأيهما ولا تفهم أيهما .. قوة جرح كبير سيطر على فؤادها لسنوات وسنوات ..وقوة دافع البقاء والمستقبل التى تتمثل فيه .. هو لم يعرف أنها كانت حمقاء إذ لم تفهم منذ البداية أنه أول من اخترق السور المنيع الذي حولها .. وكانت أكثر حماقة حين لم تفهم أنها كانت تتصرف مثله دون أن تدرى فكانت تسعى لرؤيته ويسعدها الحديث معه ..وأنهما كثيرا ما اتفقا في أفكارهما دون أن يتبادلاها .. لم تفهم كل هذا إلا حين تركته وذهبت موقنة أن كلماتها قد تدفعه للإبتعاد إلى الأبد .. وأنها قد لا تراه ثانية .. 

لحظتها فقط أدركت كم الارتباك الذي أصابها .. إنها لا تريد أن يختفي من حياتها لكنها لا تريده أقرب من اللازم .. مازال جرحها ينزف ومازال قلبها كسير ..لقد أدركت الآن كم تهتم لأمره فقد كان يفهمها دون أن تضطر إلى الشرح والتفسير .. لكنها لن تضحي بكل أمانها واستقرارها من أجل المجهول مرة أخرى .. لن تحتمل نفس الألم مرتين .. كما أن قلبها ما زال غير خال فلم المحاولات التى لا طائل منها ؟

* * * * * * * * * *

مضت الأيام والأسابيع والشهور .. لم تره خلالها ولا مرة .. ولكم شعرت بالأسى والفراغ .. ولكم فكرت فيه متمنية أن تجمعهما الصدفة في الطريق كي تطمئن على أحواله ..ولكن تلك الصدفة لم تأت .. و لقد نسيت في غمرة انشغالها به أمر شخص لم تتصور يوما أنها ستنساه .. وحين ادركت تلك الحقيقة فجأة .. ابتسمت في أعماقها فليته يعرف كم أفادها .. لقد أعانها على المرور دون أن يدري .. لقد عبرت تلك المنطقة اللتى كانت متوقفة عندها بلا حراك .. لقد مر الماضي أخيرا من ذاكرتها ..

وبعد تفكير طويل , وإعادة التفكيروالتردد لوقت أطول .. استغرق منها ما يقرب من شهر آخر .. قررت أن تتصل به لتعرف كيف هو .. ولعلهما يعودا اصدقاء ومن يدري .. ربما ما زال يفكر فيها وينتظرها ..

بحثت عن رقمه وحاولت مرارا وتكرارا دون إجابة .. وأخيرا جاءها صوت أنثوي .... سألت باندهش : هل أحمد موجود ؟ ..

ردت عليها صاحبة الصوت : أحمد سافر منذ أيام إلى انجلترا ليعمل ويعيش هناك .. من حضرتك ؟

سافر .. مادت الأرض تحت قدميها .. لقد أضاعته بيديها .. شعرت بألم كبير , وشعرت بأنها لأول مرة خائفة من الحياة .. أنها فقدت جناحين كانا يحركانها .. لكنها تماسكت ..

سيعود يوما .. إذا كان أحبها حقا ... فإنه سيعود من أجلها .. سيعود لأنه سيفهم أنه أجنحتها وأنها بدونه لا تستطيع أن تستمر ..